كتاب : الإيجاز في إثبات أن قرن الشيطان طلع في نجد الحجاز

الإيجاز في إثبات أن قرن الشيطان طلع في نجد الحجاز

جــديـــــــــد

يسر لنا أن نقدم لكم هذا الكتاب: « الإيجاز في إثبات أن قرن الشيطان طلع في نجد الحجاز » الذي فضح فيه تلبيسات الوهابية وضلالاتهم سائلين الله تعالى أن يعم به النفع الكثير

PDF تحميل هذا الكتاب مجانا بصيغة 

Publicités

كتاب : البرهان والإعتبار في الرد على من قال بفناء النار

al-burhan wa l i'tibar promo

قال الله تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس تَأْمُرُون بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ عملاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسر لنا أن نقدم لكم هذا الكتاب : « البرهان والإعتبار في الرد على من قال بفناء النار » وهو كتاب في الرد على ابن تيمية وأمثاله وقد جمع فيه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على بطلان قول ابن تيمية بفناء النار وبين أنّ تلك العقيدة الفاسدة ثابتة عنه من أقواله وأقوال تلميذه ومن نقول العلماء وحتى من محبيه وأتباعه.

PDF تحميل هذا الكتاب مجانا بصيغة 

ادعاء ابن تيمية تحريم الذكر بلفظ الجلالة مفردًا

egarement ibn taymiyya

ادعاء ابن تيمية تحريم الذكر بلفظ الجلالة مفردًا

ادعى ابن تيمية تحريم الذكر بلفظ الجلالة مفردًا فأتى ببدعة شنيعة لم يقلها قبله ولا بعده أحد من أهل الإسلام إلا من اتبع شذُوذه، فيقول في كتابه المسمى الرد على المنطقيين ما نصه: «فأما الاسم المفرد – يعني لفظ الجلالة ـ- فلا يكون كلامًا مفيدًا عند أحد من أهل الأرض، بل ولا أهل السماء، وإن كان وحده كان معه غيره مضمرًا، أو كان المقصود به تنبيهًا أو إشارة كما يقصد بالأصوات التي لم توضع لمعنى، لا أنه يقصد به المعاني التي تقصد بالكلام، ولهذا عدَّ الناس من البدع ما يفعله بعض النساك من ذكر اسم الله وحده بدون تأليف كلام» اهـ.ـ

1-Ibn Taymiyah - égarement   2-Ibn Taymiyah - égarement   3-Ibn Taymiyah - égarement

فليُنظر إلى قوله: «فلا يكون كلامًا مفيدًا عند أحد من أهل الأرض بل ولا أهل السماء»، وإلى قوله: «ولهذا عدَّ الناس من البدع» إلخ، فليسم لنا من هؤلاء الناس أو من هم أهل الأرض الذين اعتبر ابن تيمية كلامهم نصًّا، ولعله أراد بهم أسلافه الزنادقة وأفراخ اليهود.ـ

ومما يدل على جواز الذكر بلفظ الجلالة وحده ما أخرجه مسلم في صحيحه و الترمذي في سننه و أحمد في مسنده و الحاكم في المستدرك عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله، الله» ، وفي رواية لمسلم: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله، الله» .ـ
وفي قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } [سورة الأنعام] دلالة على أن الذي يذكر الاسم المفرد مأجور.

 4-Sahih Mouslim  5-Sahih Imam Mouslim

6-Sounan At-Tirmidhi   7-sounan imam tirmidhi

8-Mousnad Imam Ahmad   9-Mousnad ahmad ibn hanbal

10-Moustadrak Al-Hakim   11- Al-moustadrak al-hakim

(1) ابن تيمية : مخالفته إجماع المسلمين في مسائل الطلاق

talaq ibn taymiyyah

مخالفته إجماع المسلمين في مسائل الطلاق

الاجزء الاول

وأما مخالفته للإجماع في مسألة الطلاق فهو مما شُهر عنه وحبس لأجله، قال تقي الدين الحصني في كتابه  » دفع شبه من شبه وتمرد  » ما نصّه: «وأما الحلف بالطلاق فإنه لا يوقعه – أي ابن تيمية – البتة ولا يعتبره، سواء كان بالتصريح أو الكناية أو التعليق أو التنجيز، وإشاعتُه هو وأتباعُه أن الطلاق الثلاث واحدة خُزَعْبلات ومكرٌ، وإلا فهو لا يوقع طلاقًا على حالف به ولو أتى به في اليوم مائة مرة على أي وجه سواء كان حثًّا أو منعًا أو تحقيق خبر فاعرف ذلك، وأن مسألة الثلاث إنما يذكرونها تسترًا وخديعة. وقد وقفت على مُصَنَّفٍ له في ذلك وكان عند شخص شريف زينبي وكان يرد الزوجة إلى زوجها في كل واقعة بخمسة دراهم، وإنما أطلعني عليه لأنه ظن أني منهم فقلت له: يا هذا أتترك قول الإمام أحمد وقول بقية الأئمة وتقول بقول ابن تيمية، فقال: اشْهَدْ عليَّ أني تُبت، وظهر لي أنه كاذب في ذلك ولكن جرى على قاعدتهم في التستر والتَقِيَّةِ فنسأل الله العافية من المخادعة».اهـ.ـ

ثم قال ما نصه: «وفي سابع شهر صفر سنة ثمان عشرة ورد مرسوم السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الطلاق الذي يفتي بها ابن تيمية، وأمر بعقد مجلس له بدار السعادة، وحضر القضاة وجماعة من الفقهاء، وحضر ابن تيمية وسألوه عن فتاويه في مسألة الطلاق وكونهم نهوه وما انتهى ولا قَبِلَ مرسوم السلطان ولا حُكم الحكام بمنعه فأنكر، فحضر خمسة نفر فذكروا عنه أنه أفتاهم بعد ذلك، فأنكر وصمَّم على الإنكار، فحضر ابن طُليش وشهود شهدوا أنه أفتى لحامًا اسمه قمر مسلماني في بستان ابن منجا، فقيل لابن تيمية: اكتب بخطك أنك لا تفتي بها ولا بغيرها، فكتب بخطه أنه لا يفتي بها وما كتب بغيرها، فقال القاضي نجم الدين بن صصرى: حكمتُ بحبسك واعتقالك، فقال له: حكمك باطل لأنك عدوي، فلم يقبل منه وأخذوه واعتقلوه في قلعة دمشق» اهـ.ـ

5-Al-Housni - ibn taymiyyah   4-Al-Housni - ibn taymiyyah   3-Al-Housni - ibn taymiyyah   2-Al-Housni - ibn taymiyyah   1-Al-Housni - ibn taymiyyah

يقول ابن تيمية في فتاويه عند الكلام على من أوقع طلاقًا ثلاثًا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات ما نصه: «الثالث: أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة» اهـ، ثم يقول بعد ذلك: «والقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة» اهـ، ويقول فيه ما نصه: «وكذلك إذا طلقها ثلاثًا بكلمة أو كلمات في طهر واحد فهو محرَّم عند جمهور العلماء، وتنازعوا فيما يقع بها، فقيل: يقع بها الثلاث، وقيل: لا يقع بها إلا طلقة واحدة، وهذا هو الأظهر الذي يدل عليه الكتاب والسنة» اهـ، ثم ادعى أنه ليس في الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس ما يوجب لزوم الثلاث له.ـ
ويقول فيه عن الطلاق المعلَّق ما نصه: «حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء» اهـ.ـ
ويقول فيه أيضًا عن طلاق الحائض ما نصه: «وفي وقوعه قولان للعلماء، والأظهر أنه لا يقع» اهـ، وفي موضع يقول: «والأظهر أنه لا يلزم» اهـ.

12-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq   11-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq   10-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq   9-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq   8-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq   7-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq   6-Majmou' al fatawa Ibn Taymiyyah - talaq

قلت: ولقد فتح ابن تيمية أبواب استباحة الفروج فنقل الثقات عن خطه القول بأن الطلاق الثلاث إذا جمع في لفظة واحدة لا يقع أصلاً، والمشهور عنه القول بأنه يقع واحدة، ويحكي على ذلك الإجماع، وقد علم أهل العلم أن الإجماع من عهد عمر إلى زمانه منعقد على خلافه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعدما ذكر أجوبة العلماء عن الحديث الذي تمسك بظاهره هذا المبتدع، وبعدما حكى خلافًا عن بعض الناس قال في ءاخر البحث: «وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق» اهـ.ـ

14-Fath al bari Ibn Hajar -Talaq   13-Fath al bari Ibn Hajar -Talaq

أما تعلق ابن تيمية لمسألة الطلاق الثلاث بما رواه مسلم عن عبد الله بن عباس أنه قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم».ـ

فالجواب: هذا الحديث لا يجوز العمل بظاهره، والجواب عنه: إما أن يقال إنه ضعيف بالشذوذ كما حكم الإمام أحمد بن حنبل عليه، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في ردّه على من جعل الثلاث بلفظ واحد واحدًا، وبمخالفته لما ثبت عن عبد الله بن عباس أنه أفتى فيمن طلّق بالثلاث دفعة واحدة بأنه ثلاث، وقد تواتر ذلك عن ابن عباس، فقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى بأسانيده عن ثمانية من ثقات تلاميذه أنه أفتى بذلك.ـ

وإما أن يقال: إنه مؤول بأن معنى «كان الطلاق طلاق الثلاث واحدة» أن البتة كانت تستعمل للطلاق الواحد للتأكيد، ثم صار الناس يستعملونها في أثناء خلافة عمر بقصد الثلاث فأجرى عليهم عمر الحكم على موجَب قصدهم، وبيان ذلك أن قول الناس أنتِ طالق البتة كانت تستعمل في أوّل الأمر بنيّة تأكيد الطلقة الواحدة ثم اشتهرت للطلاق الثلاث، لذلك اختلف فيها مذاهب الأئمة، فكان منهم من يجعل البتة للثلاث، وكذلك أنتِ حرام عليّ وأنت بائن، ومنهم من يجعلها على حسب القصد، ويدل لذلك أن في بعض نسخ صحيح مسلم: «كانت البتة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة»، كما ذكر ذلك الحافظ أبو بكر بن العربي في كتابه القَبَس في شرح موطأ مالك بن أنس.ـ

وإما أن يعارض هذا الحديث بالإجماع المنعقد على أن الثلاث بلفظ واحد ثلاث في عهد عمر، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ءاخر بحث له واسع في هذه المسألة أي مسألة جمع الثلاث في شرحه على البخاري فقال ما نصه: «فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق» اهـ. وأما ما نقله الحافظ ابن حجر أن ذلك روي عن عليّ وغيره فلم يذكره الحافظ بصيغة الجزم، إنما مراده أن بعض الناس نقل ذلك عن عليّ وغيره، فلا يناقض ما قرّره من الإجماع في ءاخر المبحث في ذلك الشرح، فإنه لو كان عنده ثابتًا ذلك النقل عن عليّ ومن ذكر معه لم يختم المبحث بقوله: «المسئلة إجماعية».ـ

قال الحافظ تقي الدين السبكي في كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية ما نصه: «وكذلك حديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الثلاث واحدة فلما رءاهم عمر قد تتابعوا فيه قال: أجيزوهن عليهم» وهذا الحديث متروك الظاهر بالإجماع ومحمول عند العلماء على معانٍ صحيحة، وقد صحت الرواية عن ابن عباس بخلافه من وجوه عدة» اهـ.ـ

16-As-Soubki - Ibn Taymiyyah - Talaq   15-As-Soubki - Ibn Taymiyyah - Talaq

وفي مسائل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما نصه: «سألته – يعني لأحمد بن حنبل – عن الرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، قال: إذا أراد أن يُفهمها طلاقها فهي واحدة، وإن كان نوى ثنتين فثنتان، وإن كان نوى ثلاثًا فثلاث» اهـ.ـ

ولم يثبت عن أحد من مجتهدي أهل السنّة الخلاف في هذه المسألة حتى إن ابن تيمية الذي أحيا هذا الخلاف كان صرّح قبل ذلك بأن هذه المسألة إجماعية وقال إن من خالف فيها كافر، نقل ذلك عنه الحافظ أبو سعيد العلائي.ـ

قال الشيخ أحمد الصاوي المالكي في حاشيته على الجلالين عند قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [سورة البقرة] الآية ما نصه: «أي طلقة ثالثة سواء وقع الاثنتان في مرة أو مرتين، والمعنى فإن ثبت طلاقها ثلاثًا في مرة أو مرات فلا تحل، كما إذا قال لها: أنتِ طالق ثلاثًا أو البتة، وهذا هو المجمع عليه. وأما القول بأن الطلاق الثلاث في مرة واحدة لا يقع إلا طلقة فلم يعرف إلا لابن تيمية من الحنابلة، وقد رد عليه أئمة مذهبه حتى قال العلماء: إنه الضال المضل، ونسبتها للإمام أشهب من أئمة المالكية باطلة» اهـ.ـ

18-As-Sawi-Ibn Taymiyyah - Talaq   17-As-Sawi-Ibn Taymiyyah - Talaq

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه «بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة» ما نصه: «اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شىء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد، وعن الأعمش أنه قال: كان بالكوفة شيخ يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد ترد إلى واحدة، والناس عنق واحد إلى ذلك يأتون ويستمعون منه، فأتيته وقلت له: أهل سمعت علي بن أبي طالب يقول؟ قال: سمعته يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فإنها ترد إلى واحدة، فقلت: أين سمعت هذا من علي؟ فقال أخرج إليك كتابي، فأخرج كتابه، فإذا فيه بسم الله الرحمـن الرحيم هذا ما سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في مجلس واحد فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قلت: ويحك هذا غير الذي تقول، قال: الصحيح هو هذا ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك» اهـ، ثم ساق ابن رجب حديث الحسن بن علي لما طلق زوجته أنه قال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جدي، أو سمعت أبي يحدث عن جدي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا عند الأقراء أو طلقها ثلاثًا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره» ؛ لراجعتها وقال: «إسناده صحيح» اهـ.

وذكر الكوثري أن جمال الدين بن عبد الهادي الحنبلي نقل نصوصًا جيدة في المسألة عن كتاب ابن رجب هذا بخطه في كتابه «السير الحاث – يريد الحثيث – إلى علم الطلاق الثلاث» وهو من محفوظات الظاهرية بدمشق تحت رقم 99 من قسم المجاميع.ـ

ومن جملة ما يقول الجمال بن عبد الهادي فيه: الطلاق الثلاث يقع ثلاثًا هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا القول مجزوم في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد كالخرقي والمقنع والمحرر والهداية وغيرها. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – عن حديث ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر واحدة بأي شىء تدفعه، فقال: برواية الناس عن ابن عباس أنها ثلاث، وقدمه في «الفروع» وجزم به في المغني وأكثرهم لم يحك غيره» اهـ. ثم قال: «وذكر إسحـق بن منصور شيخ الترمذي في مسائله عن أحمد – وهي محفوظة تحت رقم 83 من فقه الحنابلة بظاهرية دمشق – مثل ما ذكره الأثرم. بل عدَّ أحمد بن حنبل مخالفة ذلك خروجًا عن السنة، حيث قال في جواب كتبه إلى مسدد بن مسرهد عن السنة: ومن طلق ثلاثًا في لفظ واحد فقد جهل وحرمت عليه زوجته ولا تحل له أبدًا حتى تنكح زوجًا غيره» اهـ.ـ

ثم قال: «وفي التذكرة للإمام الكبير أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: وإذا قال أنتِ طالق ثلاثًا إلا طلقتين وقعت الثلاث لأنه استثناء الأكثر فلم يصح الاستثناء.ـ

وقال أبو البركات مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي مؤلف منتقى الأخبار في كتابه المحرر: ولو طلقها اثنتين أو ثلاثًا بكلمة أو كلمات في طهر فما فوق من غير مراجعة وقع وكان للسنة، وعنه للبدعة وعنه الجمع في الطهر بدعة، والتفريق في الأطهار سنة اهـ. وأحمد بن تيمية يروي عن جده هذا أنه كان يفتي سرًّا برد الثلاث إلى واحدة وأنت ترى نص قوله في المحرر، ونبرئ جده من أن يكون يبيّت من القول خلاف ما يصرح به في كتبه، وإنما ذلك شأن المنافقين والزنادقة، وقد بلونا الكذب كثيرًا فيما ينقله ابن تيمية فإذا كذب على جده هذا الكذب المكشوف لا يصعب عليه أن يكذب على الآخرين نسأل الله السلامة.ـ

ومذهب الشافعية في المسألة أشهر من نار على علم، وقد ألف أبو الحسن السبكي، والكمال الزملكاني، وابن جهبل، وابن الفركاح، والعز بن جماعة، والتقي الحصني وغيرهم مؤلفات في الرد عليه في هذه المسألة وغيرها من المسائل وأكثرها بمتناول الأيدي» اهـ.ـ

ثم قال الكوثري: «وقال ابن رجب في كتابه السابق عندما شرع في الكلام على حديث ابن عباس هذا: «فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان أحدهما مسلك الإمام أحمد ومن وافقه وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث بشذوذه وانفراد طاوس به وأنه لم يتابع عليه؛ وانفراد الراوي بالحديث (مخالفًا للأكثرين) وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه وأن يكون شاذًّا ومنكرًا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين كالإمام أحمد ويحيى ابن معين ويحيى بن القطان وعلي بن المديني وغيرهم، وهذا الحديث ما يرويه عن ابن عباس غير طاوس، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس روى عنه خلاف ما روى طاوس. وقال الجوزجاني: هو حديث شاذ، وقد عُنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلاً. فلم أجد له أصلاً اهـ. ثم قال ابن رجب: «ومتى أجمعت الأمة على اطراح العمل بحديث وجب اطراحه وترك العمل به. وقال عبد الرحمـن بن مهدي: لا يكون إمامًا في العلم من يحدث بالشاذ من العلم، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة؛ فإن عُرف وإلا فدعه، وعن مالك: شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس، وفي هذا الباب شىء كثير».ـ

ثم قال ابن رجب: «وقد صح عن ابن عباس وهو راوي الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره في المغني، وهذه أيضًا علة في الحديث بانفرادها، فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ والإنكار وإجماع الأمة على خلافه، وقال القاضي إسماعيل في أحكام القرءان: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث؛ وعن أيوب أنه كان يتعجب من كثرة خطإ طاوس. وقال ابن عبد البر: شذ طاوس في هذا الحديث»، ثم قال ابن رجب: «وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل اهـ. وقال الكرابيسي في أدب القضاء: إن طاوسًا يروي عن ابن عباس أخبارًا منكرة، ونراه والله أعلم أنه أخذها عن عكرمة وعكرمة توقاه سعيد بن المسيب وعطاء وجماعة؛ وكان قدم على طاوس: وأخذ طاوس عن عكرمة عامة ما يرويه عن ابن عباس اهـ. وقال أبو الحسن السبكي: فالحملة على عكرمة، لا على طاوس اهـ. وسبق أن سقنا رواية الكرابيسي عن ابن طاوس ما ينفي ذلك عن أبيه، هذا ما يتعلق بالمسلك الأول.ـ

وعن الطريق الثاني يقول أيضًا ابن رجب: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها، نقله ابن منصور عن إسحـق بن راهويه وأشار إليه الحوفي في الجامع وبوب عليه أبو بكر الأثرم في سننه وأبو بكر الخلال يدل عليه، وفي سنن أبي داود من رواية حماد بن يزيد عن أيوب عن غير واحد، عن طاوس، عن ابن عباس: كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهنَّ، وأيوب إمام كبير، فإن قيل: تلك الرواية مطلقة، قلنا: نجمع بين الدليلين، ونقول: هذا قبل الدخول، انتهى ما ذكره ابن رجب في المسلك الثاني» انتهى كلام الكوثري.ـ

ثم قال الكوثري: «وقال ابن رجب بعد أن ساق حديث ابن جريج الذي يقول فيه: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس بمعنى ما في مسند أحمد: إن في إسناده مجهولا، والذي لم يسم هو محمد بن عبد الله بن أبي رافع وهو رجل ضعيف الحديث وأحاديثه منكرة، وقيل إنه متروك فسقط هذا الحديث حينئذ، وفي رواية محمد بن ثور الصنعاني إني طلقتها بدون ذكر «ثلاثًا»، وهو ثقة كبير، ويعارضه أيضًا ما رواه ولد ركانة أنه طلق امرأته البتة اهـ. وبه يعلم فساد قول ابن القيم في هذا الحديث.ـ

وعلى القول بصحة خبر «البتة» يزداد به الجمهور حجة إلى حججهم؛ وعلى دعوى الاضطراب في حديث ركانة كما رواه الترمذي عن البخاري، وعلى تضعيف أحمد لطرقه كلها ومتابعة ابن عبد البر له في التضعيف يسقط الاحتجاج بأي لفظ من ألفاظ رواية حديث ركانة.ـ

ومن جملة اضطرابات هذا الحديث روايته مرة بأن المطلق هو أبو ركانة وأخرى بأنه ابنه ركانة لا أبوه، ويدفع أن هذا الاضطراب في رواية الثلاث دون رواية البتة وهي سالمة من العلل متنًا وسندًا، ولو فرضنا وجود علة فيها يبقى سائر الأدلة بدون معارض» انتهى كلام الكوثري.ـ

26-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   25-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   24-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   23-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   22-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   21-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   20-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq   19-Al-Kawthari-Ibn taymiyya-talaq

وقال الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه الإجماع ما نصه: «وأجمعوا على أنه إن قال لها: أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة، إنها تطليقتين. وأجمعوا على أنه إن قال لها: أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إنها تطلق ثلاثًا» اهـ.ـ

وقال في كتابه الإشراف ما نصه: «وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من طلق زوجة أكثر من ثلاث، أن ثلاثًا منها تحرمها عليه» اهـ.ـ

28-Ibn Mandhour- ijma' - talaq   27-Ibn Mandhour- ijma' - talaq

وقال أبو الوليد محمد بن رشد في كتابه المقدمات بعد أن ذكر أن من طلق زوجته ثلاثًا في كلمة واحدة وقع ثلاثًا ما نصه: «وهو مذهب جميع الفقهاء وعامة العلماء، لا يشذ في ذلك عنهم إلا من لا يعتد بخلافه منهم» اهـ.ـ

وذكر الإمام المجتهد محمد بن الحسن الشيباني قول ابن عباس رضي الله عنه لما أتاه رجل فقال: إني طلقت امرأتي ثلاثًا، فقال ابن عباس: «يذهب أحدكم فيتلطخ بالنتن ثم يأتينا، اذهب فقد عصيت ربك، وقد حرمت عليك امرأتك، لا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك» قال محمد ابن الحسن عقبه: «وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقول العامة لا اختلاف فيه» اهـ.ـ

وقال القاضي أبو الوليد الباجي المالكي في شرحه على الموطإ ما نصه: «فرع: إذا ثبت ذلك فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة من الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمد في اشرافه عن بعض المبتدعة يلزمه طلقة واحدة، وعن بعض أهل الظاهر لا يلزمه شىء، وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحـق. والدليل على ما نقوله إجماع الصحابة، لأن هذا مروي عن ابن عمر وعمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم» اهـ.ـ

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ما نصه: «وعن ابن بطة أنه قال: لا يفسخ نكاحٌ حكم به قاضٍ إذا كان قد تأوَّل فيه تأويلاً، إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثًا في لفظ واحدٍ وحكم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردودٌ، وعلى فاعله العقوبة والنَّكال» اهـ.ـ

وذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي الحنبلي ما نصه: «وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل – عن حديث ابن عباس: بأي شىء تدفعه فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث» اهـ.ـ

وأخرج البيهقي عن مسلمة بن جعفر أنه قال لجعفر بن محمد الصادق: ان قومًا يزعمون أن من طلق ثلاثًا بجهالة رد إلى السنة، ويجعلونها واحدة يروونها عنكم، قال: معاذ الله، ما هذا من قولنا، من طلق ثلاثًا فهو كما قال.ـ

30-Bayhaqi-sounan-talaq   29-Bayhaqi-sounan-talaq

وكفى ابن تيمية خزيًا وعارًا أن جده الشيخ مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحنبلي ذكر في كتابه المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد أن أورد عدة روايات عن ابن عباس رضي الله عنهما في وقوع الطلاق الثلاث فقال ما نصه: «وهذا كله يدل على إجماعهم على صحة وقوع الثلاث بالكلمة الواحدة» اهـ. وكان الشيخ مجد الدين يُسمى محرر المذهب الحنبلي في زمانه.ـ

32-Jadd Ibn taymiyya- talaq   31-Jadd Ibn taymiyya- talaq

وليس ابن تيمية من أهل الاجتهاد، وخلافه هذا نظير خلافه في مسئلة بقاء النار بعد أن نقل في كتابه منهاج السنّة النبوية اتفاق المسلمين على بقاء الجنة والنار، وأنه لم يخالف في ذلك إلا جهم بن صفوان وأنهم كفّروه، فنقض هذا الإجماع فقال: إن نار جهنم تفنى. وكذلك قوله: إن الطلاق المعلق على وجه اليمين لا يقع بوقوع المعلق عليه، وإنه ليس في ذلك إلا الكفارة، خرق في ذلك إجماع علماء الإسلام على أن الطلاق المعلَّق يقع إذا وقع المعلق عليه إن كان على وجه اليمين أو على غير وجه اليمين. فهل يجوز أن يعدّ مثل هذا إمامًا مجتهدًا يؤخذ بقوله الذي يجتهد فيه. والذين روى عنهم أنهم قالوا به ممّن هم معدودون من أهل السنة لم يثبت عنهم، وإنما نسب إليهم نسبةً، ولا يثبت قول لإمام لمجرد النسبة إليه. ونحمد الله على نبذ المحاكم السعودية لرأي ابن تيمية في الطلاق، وأما المحاكم في بعض الدول فلا داعي لموافقتها هذا التحريف فإنه منابذ للإجماع الذي عليه المذاهب الأربعة وغيرهم، والسبب في عدم موافقة القضاة في المحاكم السعودية لابن تيمية أنه مخالف لمذهب الإمام أحمد كما هو مخالف للإجماع في هذه المسألة التي ليس لأحمد فيها قول مخالف، بل جميع أصحاب أحمد متفقون على أن مذهبه أن الثلاث بلفظ واحد ثلاثة.ـ

وأما السبب في تغيير الحكم في بعض المحاكم قاض كان في عصرنا مولعًا بابن تيمية، فأحيا ضلالته مع موافقة أهواء الجاهلين المتهورين في الطلاق، فجرأهم على إيقاع الثلاث على ظن أن لهم رجعة بعد ذلك، وهذا على أحد قولي ابن تيمية، والقول الآخر عنه أن الثلاث بلفظ واحد لا شىء، فمن قلّده بذلك يرجع إلى امرأته المطلقة بالثلاث بلا تجديد العقد بدون أن تنكح زوجًا ءاخر.ـ

ومن اعتبر ابن تيمية من المجتهدين الذين يجوز تقليدهم فقد بَعُد عن الصواب، كيف وهو القائل إن العالم أزليٌّ بجنسه، أي أن جنس العالم لم يتقدمه الله بالوجود وإنما تقدم الأفراد المعينة، وقد اتفق المسلمون على تكفير من يقول بأن العالم أزليٌّ مع الله سواء جعله أزليّا بنوعه فقط أو بنوعه وتركيبه وأفراده المعينة. وقد نص ابن تيمية على ما ذكرنا عنه في خمسة من كتبه كما سبق بيانه. ثم كيف تجرأ المفتونون به على اعتباره مجتهدًا ومن شرط المجتهد الإسلام ومن يقول بتلك المقالة مقطوع بكفره كما نقل الإجماع على ذلك المحدث الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي وغيره كما مرّ.ـ

ثم إن من أخذ بظاهر حديث: «كان الطلاق طلاق الثلاث» يكون بذلك قد خوّن عمر بن الخطاب وابن عباس.ـ

وأما تخوينهم لعمر فلأنهم جعلوه حكم بتحريم النساء المطلقات بالثلاث باللفظ الواحد على أزواجهن إلا بعد أن ينكحن أزواجًا ءاخرين وهو بزعمهم يعلم أن الرسول وأبا بكر حكمهما خلاف ذلك، بل في ذلك تكفير لعمر لأن من حرّف حكمًا لرسول الله قد شرعه معتبرًا ذلك حقّا فهو كافر.ـ

وأما تخوينهم لابن عباس فمن قال منهم بأن ابن عباس أفتى بأن الثلاث بلفظ واحد ثلاث مع علمه بأن حكم رسول الله خلاف ذلك فقد نسبه لتحريف حكم رسول الله عمدًا، ثم هذا تخوين للصحابة الذين كانوا في ذلك الوقت كعلي رضي الله عنه حيث إنهم سكتوا بزعمهم لعمر على تحريفه الباطل لحكم الشرع، وعمر هو القائل: «نعوذ بالله من مُعضِلةٍ ليس لها أبو الحسن»، فكيف يليق بأبي الحسن أن يسكت لو كان يعلم أن هذا خلاف حكم الرسول. سبحانك هذا بهتان عظيم.ـ

وهذا بخلاف ما فعله عمر من ضرب شارب الخمر ثمانين بعد أن كان يضرب في زمن الرسول وأبي بكر أربعين لأن ذلك ليس فيه ما في هذا، كما قال علي بن أبي طالب عن جلد أربعين إنه سنة وعن جلد ثمانين إنه سنة، رواه مسلم وغيره. فلا يجوز أن يجعل هذا نظير ذاك لأن ما فعله عمر في مسألة الجلد ليس فيه إبطال حكم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن فعل الرسول لذلك لا يتضمن أن ما سوى هذا العدد حرام.ـ

انتهى الجزء الاول يتبع الجزء الثاني

ابن تيمية – زعمه أن إنشاء السفر لزيارة قبر النبي معصيةٌ لا تقصر فيها الصلاة

ابن تيمية - زعمه أن إنشاء السفر لزيارة قبر النبي

زعمه أن إنشاء السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم  معصيةٌ لا تقصر فيها الصلاة

الجزء الاول

أما قوله بتحريم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فقد ذكره في أكثر من كتاب، فقال في فتاويه ما نصه: «بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور – قبر نبي أو غيره – منهيٌّ عنه عند جمهور العلماء، حتى انهم لا يجوّزون قصر الصلاة فيه بناء على أنه سفر معصية لقوله الثابت في الصحيحين: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة» اهـ.

 1.Ibn taymiyah majmou' visite tombe   2.Ibn taymiyah majmou' visite tombe

وقال أيضًا في كتابه «  الفتاوى الكبرى » ما نصه: «قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة» اهـ.

3.Ibn taymiyah majmou' visite tombe   4.Ibn taymiyah majmou' visite tombe

وقال في كتابه « الرد على الأخنائي »  ما نصه: «فإذًا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرَّمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة» اهـ.

5.Ibn taymiyah majmou' visite tombe   6.Ibn taymiyah majmou' visite tombe

قال تقي الدين الحصني في كتابه «  دفع شبه من شبه وتمرد »  ما نصه: «ومن الأمور المنتقدة عليه قوله: زيارة قبر النبي وقبور الأنبياء معصية بالإجماع مقطوع بها، وهذا ثابت عنه أنه قاله، وثبت ذلك على يد القاضي جلال الدين القزويني، فانظر هذه العبارة ما أعظم الفجور فيها من كون ذلك معصية، ومن ادعى الإجماع وأن ذلك مقطوع به؟!، فهذا الزائغ يطالب بما ادعاه من إجماع الصحابة رضي الله عنهم وكذا التابعون ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى حين ادعائه ذلك. وما أَعتَقِدُ أن أحدًا يتجاسر على مثل ذلك مع أن الكتب المشهورة بل والمهجورة وعمل الناس في سائر الأعصار على الحثّ على زيارته من جميع الأقطار، فزيارته من أفضل المساعي وأنجح القُرب إلى رب العالمين، وهي سنة من سنن المرسلين ومجمع عليها عند الموحدين، ولا يطعن فيها إلا من في قلبه مرض المنافقين، ومن هو من أفراخ اليهود وأعداء الدين، من المشركين الذين أسرفوا في ذم سيد الأولين والآخرين، ولم تزل هذه الأمة المحمدية على شد الرحال إليه على ممر الأزمان، من جميع الأقطار والبلدان، سار في ذلك الزُّرافات والوُحدان، والعلماء والمشايخ والكهول والشبان، حتى ظهر في ءاخر الزمان مبتدع من زنادقة حران لَبَّس على أشباه الرجال» اهـ.

7.taqiyyou d-Din Al-Housni   8.taqiyyou d-Din Al-Housni   9.taqiyyou d-Din Al-Housni

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في كتابه « الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم » ما نصه: «فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله كما رءاه السبكي في خطه، وأطال أعني ابن تيمية في الاستدلال لذلك بما تمجُّه الأسماع وتنفر عنه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعًا، وأنه لا تقصر فيه الصلاة، وأن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه؟ قلت: من هو ابن تيمية حتى يُنظر إليه أو يُعوَّل في شىء من أمور الدين عليه؟ وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته كالعز بن جماعة: عبد أضله الله تعالى وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوَّأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان» اهـ.

10.ابن حجر الهيتمي   11.ابن حجر الهيتمي   12.ابن حجر الهيتمي

نقول وبالله التوفيق: أما استدلاله بحديث: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» لتحريم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجوابه: أن أحدًا من السلف لم يفهم ما فهمه ابن تيمية، بل زيارة قبر الرسول سنّة سواء كانت بسفر أو بغير سفر كسكان المدينة، والحنابلة قد نصّوا كغيرهم على كون زيارة قبر النبي سنّة سواء قصدت بالسفر لأجلها أو لم تقصد بالسفر لأجلها.

وأما الحديث فمعناه الذي فهمه السلف والخلف أنه لا فضيلة زائدة في السفر لأجل الصلاة في مسجد إلا السفر إلى هذه المساجد الثلاثة، لأن الصلاة تضاعف فيها إلى مائة ألف وذلك في المسجد الحرام وإلى ألف وذلك في مسجد الرسول وإلى خمسمائة وذلك في المسجد الأقصى. فالحديث المراد به السفر لأجل الصلاة، ويبين ذلك ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من طريق شهْر بن حَوْشَب من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «لا ينبغي للمَطيّ أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» وهذا الحديث حسّنه الحافظ ابن حجر، وهو مبيّن لمعنى الحديث السابق، وتفسير الحديث بالحديث خير من تحريف ابن تيمية، قال الحافظ العراقي في ألفيته في مصطلح الحديث:

وَخَيْرُ مَا فَسَّرتَهُ بالوارِدِ

13.أحمد بن حنبل   14.أحمد بن حنبل

قال الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه  « الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية »  ما نصّه: «وليس هذا بأوَّل ورطةٍ وقع فيها ابن تيمية وأتباعه فإنَّه جعل شد الرحال إلى بيت المقدس معصية كما تقدم ذكر ذلك وردّه، ونهى عن التوسّل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى وبغيره من الأولياء أيضًا، وخالف الإِجماع من الأئمة الأربعة في عدم وقوع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة، إلى غير ذلك من التهوُّرات الفظيعة الموجبة لكمال القطيعة التي استوفاها الشيخُ العلاَّمةُ والعمدةُ الفهّامة تقي الدين الحصني الشّافعي رحمه الله تعالى في كتاب مستقلّ في الردّ على ابن تيمية وأتباعه وصرَّح فيه بكفره».

ثم قال: «قال الشيخُ شهاب الدين أحمد بن حَجَر في كتابه الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرَّم، بعد أن تكلَّم في شأن ابن تيمية بكلام كثير: ولقد تصدَّى شيخ الإسلام وعالم الأنام، المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وأمانته التقي السبكي قدَّس الله روحه، للرد عليه في تصنيف مستقلّ أفاد فيه وأجاد وأصاب، وأوضح بباهر حججه طريق الصَّواب، فشكر الله مسعاه، وأدام عليه شآبيب رحمته ورضاه»، انتهى.

15.عبد الغني النابلسي   16.عبد الغني النابلسي

قال صلاح الدين الصفدي أثناء ذكره لمؤلفات الحافظ المجتهد تقي الدين علي السبكي ما نصه: «وكتاب شفاء السقام في زيارة خير الأنام ردًّا عليه أيضًا – أي على ابن تيمية – في إنكاره سفر الزيارة، وقرأته عليه بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وسبع مائة من أوله إلى ءاخره، وكتبت عليه طبقة جاء مما فيها نظمًا:

لقولِ ابنِ تيميةٍ زُخرف             أتى في زيارةِ خيرِ الأنام

فجاءَت نفوسُ الورَى تشتكي     إلى خيرِ حَبْرٍ وأزكَى إمام

فصنَّف هذا وَدَاوَاهُمُ             فكانَ يقينًا شِفَاءَ السَّقَام

17.صلاح الدين الصفدي   18.صلاح الدين الصفدي

قال الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في ‪ » كتابه شفاء السقام ‪   ‪«ما نصه: «الباب الثالث: فيما ورد في السفر إلى زيارته صلى الله تعالى عليه وسلم صريحًا، وبيان أن ذلك لم يزل قديمًا وحديثًا، وممن روي ذلك عنه من الصحابة بلال بن أبي رباح مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورضي الله عنه، سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم، روينا ذلك بإسناد جيد إليه، وهو نص في الباب» اهـ، ثم قال في الباب الرابع من الكتاب ما نصه: «قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وزيارة قبره صلى الله تعالى عليه وسلم سنَّة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها» اهـ،

 ثم أفاض في نقل استحبابها عن أعيان من العلماء من المذاهب الأربعة، فنقل ذلك عن الشافعية: عن القاضي أبي الطيب الطبري، والمحاملي، والحليمي، والماوردي، والروياني، والقاضي حسين، والشيخ أبي إسحـق الشيرازي، وعن الحنفية: عن أبي منصور الكرماني في مناسكه، وعبد الله بن محمود في شرح المختار، وأبي الليث السمرقندي في فتاواه، والسروجي في الغاية، وعن الحنابلة: عن أبي الخطاب الكواذاني في الهداية، وأبي عبد الله السامري في المستوعب، ونجم الدين بن حمدان في الرعاية الكبرى، وعن المالكية: عن أبي عمران الفاسي، والشيخ ابن أبي زيد.

ثم ذكر حديث أبي داود: «ولا تجعلوا قبري عيدًا» وأجاب عنه بثلاثة أجوبة:

ـ1 – يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين.

ـ2 – ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلا فيه، وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم ليس لها يوم بعينه بل أي يوم كان.

ـ3 – ويحتمل أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه، والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم.

19.الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي   20.الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي   21.الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي   22.الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي

وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: «(الحادية عشرة) استدل به على أنه لو نذر إتيان مسجد المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لزمه ذلك لأنه من جملة المقاصد التي يؤتى لها ذلك المحل بل هو أعظمها، وقد صرح بذلك القاضي ابن كج من أصحابنا فقال: عندي إذا نذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء وجهًا واحدًا ولو نذر أن يزور قبر غيره فوجهان. وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد الرحل للزيارة وأنه ليس من القرب بل بضد ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السقام فشفى صدور المؤمنين. وكان والدي رحمه الله يحكي أنه كان معادلا للشيخ زين الدين عبد الرحيم بن رجب الحنبلي في التوجه إلى بلد الخليل عليه السلام فلما دنا من البلد قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل ليحترز عن شد الرحل لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية، قال: فقلت: نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام، ثم قلت له: أما أنت فقد خالفت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: «زوروا القبور» ، أفقال إلا قبور الأنبياء؟ قال: فبهت.

قلت: ويدل على أنه ليس المراد إلا اختصاص هذه المساجد بفضل الصلاة فيها وأن ذلك لم يَرِد في سائر الأسفار قوله في حديث أبي سعيد المتقدم: لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير كذا وكذا، فبين أن المراد شد الرحال إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة لا كل السفر، والله أعلم» اهـ.

23.أبو زرعة العراقي   24.أبو زرعة العراقي

انتهى الجزء الأول يتبع الجزء الثاني

ابن تيمية في تحريمه التوسل بالأنبياء والصالحين والتبرّك بهم وءاثارهم

ibn

ابن تيمية في تحريمه التوسل بالأنبياء والصالحين  والتبرّك بهم وءاثارهم

ومن أشهر ما صحّ عن ابن تيمية بنقل العلماء المعاصرين له وغيرهم ممن جاءوا بعدهم، تحريمه التوسل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم وفي حياتهم في غير حضورهم والتبرك بهم وبآثارهم، وتحريمه زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام للتبرّك فيقول في كتابه التوسل ما نصه: «وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك» اهـ.ـ

 

Ibn taymiya 1   Ibn taymiyya 2

 

وقال في كتاب ءاخر ما نصه: «وأما الزيارة المبتدعة التي هي من جنس زيارة المشركين فمقصودهم بها طلب الحوائج من الميت أو الغائب» اهـ.ـ

 

3-ibn taymiyya   4-ibn taymiyya   5-Ibn taymiyya

 

وقال في كتابه التوسل والوسيلة ما نصه: «ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ولم يذكروا فيما شرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به، كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير الله والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال» اهـ.ـ

 

6-Ibn taymiya   7-Ibn taymiyya

 

ثم ناقض ابن تيمية نفسه فذكر في فتاويه ما يخالف ما ادَّعاه من أن العلماء لم يذكروا فيما شرع للمسلمين في الاستسقاء وغيره التوسل به، فقال ما نصه: «ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه: إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسام على الله به ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوَّز القسم به فلذلك جوَّز التوسل به» اهـ.ـ

 

8-ibn taymiya   9-ibn taymiya

 

فهو كما تبين يتقوّل على الأئمة وذلك عادة له، فقد خالف الإمام أحمد والإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي، وهو كما قال فيه الحافظ السبكي: ولم يسبق ابن تيمية في إنكاره التوسل أحد من السلف ولا من الخلف، بل قال قولا لم يقله عالم قط قبله، قال في شفاء السقام ما نصه: «اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفّع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربّه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحسنُهُ من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار». اهـ.ـ

 

10-soubki   11-as-soubki

 

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المتوفى في القرن العاشر الهجري في مبحث سن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ما نصه: «ولا يغترّ بإنكار ابن تيمية لسنّ زيارته صلى الله عليه وسلم فإنه عبد أضلّه الله كما قاله العزّ بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بعجب فإنه وقع في حق الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرًا، فنسب إليه العظائم كقوله إن لله تعالى جهة ويدًا ورجلاً وعينًا ( أي بالجارحة و الجزء ) وغير ذلك من القبائح الشنيعة، ولقد كفّره كثير من العلماء، عامله الله بعدله وخذل متبعيه الذين نصروا ما افتراه على الشريعة الغرّاء». اهـ.ـ

 

12-ibn hajar   13-ibn hajar

 

وهو أي ابن تيمية يحرّم التوسل والاستغاثة برسول الله وغيره من الأنبياء والأولياء وأخذ منه ذلك محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وزادوا التكفير بما فهموه من تعبيراته، والذي أدّى بهم إلى ذلك هو جهلهم بمعنى العبادة الواردة في نحو قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [سورة تحة] وقوله تعالى حكاية عن المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [سورة الزمر] . نقول لهم: العبادة في لغة العرب هي ما عَرّفها به اللغويون، فقد عرّفها الإمام اللغوي الشهير الزجاج بقوله: «العبادة في لغة العرب الطاعة مع الخضوع»، وقال الإمام اللغوي أبو القاسم الراغب الأصبهاني في مفردات القرءان: «العبادة غاية التذلل»، وقال الإمام الحافظ الفقيه اللغوي المفسّر علي بن عبد الكافي السبكي في تفسيره لقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [سورة الفاتحة] «أي نخصك بالعبادة التي هي أقصى غاية الخشوع والخضوع»، وقال النحوي اللغوي المفسّر أبو حيان الأندلسي في تفسيره عند قول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [سورة الفاتحة] : «العبادة عند جمهور اللغويين التذلل، وقال ابن السّكّيت: التجريد،» اهـ، وقال الفيومي اللغوي في المصباح المنير: «عَبدْتُ الله أعبُدُهُ عِبادةً، وهي الانقيادُ والخضوعُ، والفاعِلُ عابدٌ، والجمع عُبّاد وعَبَدةٌ مثل كافر وكفّار وكفرة، ثم استُعمل فيمن اتخذ إلهًا غيرَ الله وتقرّب إليه فقيل: عابد الوثن والشمس وغير ذلك».اهـ. وكذلك جهل هؤلاء بمعنى الدعاء الوارد في القرءان في مواضع كقوله تعالى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [سورة الحج] وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ} [سورة الأحقاف] ، ظنواأن هذا الدعاء هو مجرد النداء، ولم يعلموا أن معناه العبادة التي هي غاية التذلل، فإن المفسرين قد أطبقوا على أن ذلك الدعاء هو عبادتهم لغير الله على هذا الوجه، ولم يفسره أحد من اللغويين والمفسرين بالنداء، لذلك صار هؤلاء يكفّرون من يقول: يا رسول الله، أو: يا أبا بكر، أو: يا علي، أو: يا جيلاني، أو نحو هذا في غير حالة حضورهم في حياتهم وبعد وفاتهم، ظنًّا منهم أن هذا النداء هو عبادة لغير الله، هيهات هيهات، ألم يعلم هؤلاء أن القرءان والحديث لا يجوز تفسيرهما بما لا يوافق اللغة، وماذا يقول هؤلاء فيما رواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر أنه خدرت رجله فقيل له: اذكر أحبّ الناس إليك، فقال: يا محمد، فهل يكفّرونه لهذا النداء أم ماذا يفعلون؟ وماذا يقولون في إيراد البخاري لهذا هل يحكمون عليه أنه وضع في كتابه الشرك ليعمل به؟.ـ

 

ومن شبه هؤلاء إيرادهم لحديث ابن حبان وغيره: «الدعاء هو العبادة» ، يريدون بذلك أن يوهموا الناس أن التوسل بالأنبياء والأولياء بعد موتهم أو في غير حضرتهم ولو كانوا أحياءً شرك عبادة لغير الله.

 

فالجواب: أن معنى الحديث أن الدعاء الذي هو الرغبة إلى الله كما عرّف بذلك علماء اللغة الدعاءَ من أعظم أنواع العبادة، بمعنى ما يُتَقَربُ به إلى الله، لأن الصلاة التي هي أفضل ما يتقرب به إلى الله بعد الإِيمان مشتملة على الدعاء، فهذا من العبادة التي هي أحد إطلاقي لفظ العبادة في عرف أهل الشرع كإطلاقها على انتظار الفرج، وهذا الإِطلاق راجع إلى تعريف العبادة العام الذي هو غاية التذلل لأن العبد لما يدعو الله تعالى راغبًا إليه حيث إنه خالق المنفعة والمضرّة، فقد تذلل له غاية التذلل. وبالله التوفيق والعصمة.ـ

ثم من المعلوم أن العبادة تطلق من باب الحقيقة الشرعية المتعارفة عند حملة الشريعة على فعل ما يتقرب به إلى الله، وقد وردت فيما صح عن رسول الله بمعنى الحسنة كقوله صلى الله عليه وسلم: «انتظار الفرج عبادة» أي حسنة يتقرب بها إلى الله، وبهذا المعنى الصدقة والصيام وعمل المعروف والإِحسان إلى الناس، وهذا شائع كثيرًا.ـ

 

قال الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل ما نصه: «وقد بلغ بالناظم وشيخه الغلو في هذا الصدد إلى حد تحريم شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وعدّ السفر لأجل ذلك سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة، فأصدر الشاميون فتيا في ابن تيمية وكتب عليها البرهان بن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطرًا بأشياء إلى أن قال بتكفيره ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا على قاضي قضاة الشافعية بمصر البدر بن جماعة فكتب على ظاهر الفتوى الحمد لله هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة وما ذكره من نحو ذلك، وإنه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وسنّة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور – يعني ابن تيمية – ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ويشهر أمره ليتحفظ الناس من الاقتداء به. وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي». اهـ.ـ

 14-kawthari   15-kawthari

ثم قال ما نصه: «والأحاديث في زيارته صلى الله عليه وسلم في غاية من الكثرة وقد جمع طرقها الحافظ صلاح الدين العلائي في جزء، قال علي القاري في شرح الشفاء: «وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرّم السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرًا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه…».اهـ.ـ

ثم قال: «فسعيه في منع الناس من زيارته صلى الله عليه وسلم يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف يتصور الإِشراك بسبب الزيارة والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقه عليه السلام أنه عبْده ورسوله وينطقون بذلك في صلواتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير إدامة لذكرى ذلك. ولم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شئونهم ويرشدونهم إلى السنّة في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شىء، ولم يعدُّوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل، كيف وقد أنقذهم الله من الشرك وأدخل في قلوبهم الإِيمان، وأول من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجة في النفس، ولم يخف ابن تيمية من الله في رواية عدّ السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإِمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي، وحاشاه عن ذلك، راجع كتابالتذكرة له تجدْ فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتوسل به كما هو مذهب الحنابلة، وإنما قوله بذلك في السفر إلى المشاهد المعروفة في العراق لما قارن ذلك من البدع في عهده وفي نظره. وإليك نص عبارته في التذكرة المحفوظة بظاهرية دمشق تحت رقم «87» في الفقه الحنبلي: «فصل: ويستحب له قدوم مدينة الرسول صلوات الله عليه، فيأتي مسجده فيقول عند دخوله: بسم الله اللهم صلّ على محمد وءال محمد وافتح لي أبواب رحمتك وكفّ عني أبواب عذابك، الحمد لله الذي بلغ بنا هذا المشهد وجعلنا لذلك أهلاً، الحمد لله ربّ العالمين». إلى أن قال: «واجعل القبر تلقاء وجهك، وقم مما يلي المنبر وقل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللهم صلّ على محمد وعلى ءال محمد إلى ءاخر ما تقوله في التشهّد الأخير، ثم تقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته اللهم صلّ على روحه في الأرواح وجسده في الأجساد كما بلّغ رسالاتك وتلا ءاياتك وصدع بأمرك حتى أتاه اليقين، اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [سورة النساء] وإني قد أتيت نبيك تائبًا مستغفرًا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي». إلى أن قال: «وإن أحببت تمسح بالمنبر وبالحنَّانة وهو الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم فلما اعتزل عنه حنّ إليه كحنين الناقة» اهـ.ـ

 14-kawthari   16-kawthari   17-kawthari

ففي هذا التوسل الذي أورده ابن عقيل دليل على أن عمل المسلمين كان على التوسل بالنبي بعد موته من غير نكير، إنما هذا التحريم من ابن تيمية ومن أتباعه فيما بعده، وابن عقيل توفي قبل ابن تيمية وهو من أساطين الحنابلة من أهل التخريج. وليكن منك على ذكر حديث: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلُّون» فقد رواه أبو يعلى المَوْصِلي والبزار في مسنديهما، وأورده البيهقي فيالجزء الذي ألّفه في حياة الأنبياء وهو مطبوع، وأورده أيضًا الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وسيأتي مفصلاً.ـ

(1) ابن تيمية : في نفيه التأويل التفصيلي عن السلف

ابن تيمية  في نفيه التأويل التفصيلي عن السلف

: ابن تيمية

  في نفيه التأويل التفصيلي عن السلف

الجزء الاول

أما نفيه التأويل التفصيلي عن الصحابة والسلف فقد ذكره في أكثر من كتاب، فقال في فتاويه بعد كلام ما نصه: «فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأوَّل شيئًا من ءايات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف» اهـ.ـ

Ibn taymiyah -majmou' 2    Ibn taymiyah -majmou' 1

نقول: قال الله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ  وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}

 [سورة ءال عمران] .ـ

أخبرنا الله تعالى في هذه الآية أن القرءان فيه ءايات محكمات هنَّ أمّ الكتاب أي أصل الكتاب، وأن فيه ءايات متشابهات تردّ لفهمها إلى الآيات المحكمات.ـ

والآيات المحكمة: هي ما لا يحتمل من التأويل بحسب وضع اللغة إلا وجهًا واحدًا، أو ما عُرف بوضوح المعنى المراد منه كقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [سورة الشورى] وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص] وقولِهِ: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [سورة مريم] .ـ

وأما المتشابه: فهو ما لم تتضح دلالته، أو يحتمل أوجهًا عديدة واحتيج إلى النظر لحمله على الوجه المطابق، كقوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [سورة طه] .ـ

وقوله تعالى: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } [سورة ءال عمران] يحتمل أن يكون ابتداءً، ويحتمل أن يكون معطوفًا على لفظ الجلالة، فعلى الأول المراد بالمتشابه ما استأثر الله بعلمه كوجبة القيامة وخروج الدجال ونحو ذلك، فإنه لا يعلم متى وقوع ذلك أحد إلا الله؛ وعلى الثاني: المراد بالمتشابه ما لم تتضح دلالته من الآيات أو يحتمل أوجهًا عديدة من حيث اللغة مع الحاجة إلى إعمال الفكر ليحمل على الوجه المطابق كآية: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [سورة طه] ؛ فعلى هذا القول يكون الراسخون في العلم داخلين في الاستثناء، ويؤيد هذا ما رواه مجاهد عن ابن عباس أنه قال: «أنا ممن يعلم تأويله».ـ

Ibn Jawzi 2   Ibn Jawzi 1

قال القشيري في التذكرة الشرقية: «وأما قول الله عزّ وجلّ: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ } [سورة ءال عمران] إنما يريد به وقت قيام الساعة، فإن المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة أيان مرساها ومتى وقوعها، فالمتشابه إشارة إلى علم الغيب، فليس يعلم عواقب الأمور إلا الله عزّ وجلّ ولهذا قال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } [سورة الأعراف] أي هل ينظرون إلا قيام الساعة. وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلا الله، أليس هذا من أعظم القدح في النبوات، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى، ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم، أليس الله يقول: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [سورة الشعراء] فإذًا على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } إذ لم يكن معلومًا عندهم، وإلا فأين هذا البيان؛ وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعى أنه مما لا تعلمه العرب لما كان ذلك الشىء عربيًّا، فما قول في مقال مآله إلى تكذيب الرب سبحانه.ـ

ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى، فلو كان في كلامه وفيما يلقيه إلى أمته شىء لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، لكان للقوم أن يقولوا بيّن لنا أوَّلا من تدعونا إليه وما الذي تقول، فإن الإيمان بما لا يعلم أصله غير متأت، ونسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل أمر عظيم لا يتخيله مسلم، فإن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف، والغرض أن يستبين من معه مُسْكَةٌ من العقل أن قول من يقول: «استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها، واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها، والقدَم صفة ذاتية لا يعقل معناها» تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل؛ وقد وضح الحق لذي عينين، وليت شعري هذا الذي ينكر التأويل يطرد هذا الإنكار في كل شىء وفي كل ءاية أم يقنع بترك التأويل في صفات الله تعالى، فإن امتنع من التأويل أصلاً فقد أبطل الشريعة والعلوم، إذ ما من ءاية وخبر إلا ويحتاج إلى تأويل وتصرف في الكلام – إلا ما كان نحو قوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [سورة الانعام] – لأن ثَمَّ أشياء لا بدّ من تأويلها لا خلاف بين العقلاء فيه إلا الملحدة الذين قصدهم التعطيل للشرائع، والاعتقاد لهذا يؤدي إلى إبطال ما هو عليه من التمسك بالشرع – بزعمه -. وإن قال: يجوز التأويل على الجملة إلا فيما يتعلق بالله وبصفاته فلا تأويل فيه. فهذا مصير منه إلى أنّ ما يتعلق بغير الله تعالى يجب أن يعلم وما يتعلق بالصانع وصفاته يجب التقاصي عنه، وهذا لا يرضى به مسلم؛ وسرّ الأمر أن هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يُدَلّسون ويقولون: له يد لا كالأيدي وقدم لا كالأقدام واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا. فليقل المحقق هذا كلام لا بد من استبيان، قولكم نجري الأمر على الظاهر ولا يعقل معناه تناقض، إن أجريت على الظاهر فظاهر السياق في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [سورة القلم] هو العضو المشتمل على الجلد واللحم والعظم والعصب والمخ، فإن أخذت بهذا الظاهر والتزمت بالإقرار بهذه الأعضاء فهو الكفر، وإن لم يمكنك الأخذ بها فأين الأخذ بالظاهر، ألست قد تركتَ الظاهر وعلمت تقدس الربّ تعالى عما يوهم الظاهر، فكيف يكون أخذًا بالظاهر؟ وإن قال الخصم: هذه الظواهر لا معنى لها أصلاً، فهو حكم بأنها ملغاة، وما كان في إبلاغها إلينا فائدة وهي هدَر وهذا محال. وفي لغة العرب ما شئت من التجوز والتوسع في الخطاب، وكانوا يعرفون موارد الكلام ويفهمون المقاصد، فمن تجافى عن التأويل فذلك لقلة فهمه بالعربية، ومن أحاط بطرق من العربية هان عليه مدرك الحقائق، وقد قيل { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } [سورة آل عمران] : فكأنه قال: والراسخون في العلم أيضًا يعلمونه ويقولون ءامنا به. فإن الإيمان بالشىء إنما يتصور بعد العلم، أما ما لا يعلم فالإيمان به غير متأت، ولهذا قال ابن عباس: «أنا من الراسخين في العلم».اهـ.

Zabidi 3   Zabidi 2   Zabidi 1

 فتبين أن قول من يقول إن التأويل غير جائز خبط وجهل، وهو محجوج بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللهم علّمه الحكمة وتأويل الكتاب» .ـ

Ibn Majah 2   Ibn Majah 1

هذا وقد شدّد الحافظ ابن الجوزي الفقيه الحنبلي وهو حرب على حنابلة المجسمة وما أكثرهم في كتابه «المجالس» النكيرَ والتشنيع على من يمنع التأويل ووسّع القول في ذلك، فمما ورد فيه: «وكيف يمكن أن يقال إن السلف ما استعملوا التأويل وقد ورد في الصحيح عن سيد الكونين صلى الله عليه وسلم أنه قدّم له ابن عباس وضوءه فقال: «من فعل هذا» فقال: قلت: أنا يا رسول الله، فقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» . فلا يخلو إما أن يكون الرسول أراد أن يدعو له أو عليه، فلا بدّ أن تقول أراد الدعاء له لا دعاءً عليه، ولو كان التأويل محظورًا لكان هذا دعاءً عليه لا له. ثم أقول: لا يخلو إما أن تقول: إن دعاء الرسول ليس مستجابًا فليس بصحيح، وإن قلت: إنه مستجاب فقد تركت مذهبك، وبَطَل قولك: إنهم ما كانوا يقولون بالتأويل، وكيف والله يقول: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } [سورة آل عمران] وقال: { الم } [سورة البقرة] أنا الله أعلم، و{كهيعص } [سورة مريم] الكاف من كافي،، والهاء من هادي، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، إلى غير ذلك من المتشابه».اهـ.ـ

Majalis - Ibn Jawzi 2   Majalis - Ibn Jawzi 1

انتهى الجزء الاول